مصر والسعودية: شراكة استراتيجية راسخة صحيفة الأهرام، 22 يوليو 2025 د. سماء سليمان.

فى ظل الظروف الإقليمية المتغيرة والتحديات المتسارعة التى تواجه منطقة الشرق الأوسط، جاءت زيارة الأمير فيصل بن فرحان لنظيره المصري الدكتور بدر عبد العاطي، لتؤكد مجددًا عمق ومتانة العلاقات بين القاهرة والرياض، والتى تمثل نموذجًا راسخًا للشراكة الاستراتيجية فى المنطقة، فلم تكن هذه الزيارة حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل جاءت فى توقيت دقيق، يفرض على القوى الإقليمية الكبرى تنسيقًا أعمق ورؤى موحدة تجاه قضايا متشابكة تتعلق بالأمن الإقليمي، والاستقرار السياسي، والمصالح الاستراتيجية المشتركة. برزت أهمية هذه الزيارة من خلال توقيتها، حيث تمر المنطقة بمرحلة حساسة تشهد تصعيدًا مستمرًا فى الأراضى الفلسطينية، وتدهورًا أمنيًا فى السودان، بالإضافة إلى التهديدات المستجدة فى البحر الأحمر، وصراعات النفوذ فى عدة مناطق مثل ليبيا واليمن، واحتمالبة تجدد الحرب بين اسرائيل وإيران. كل هذه الملفات تحتم على القوى العربية الكبري، وفى مقدمتها مصر والسعودية، تكثيف التنسيق والتفاهم، بما يحفظ الأمن القومى العربي، ويمنع المزيد من التدخلات الإقليمية والدولية. من هذا المنطلق، فإن اللقاء بين وزيرى خارجية البلدين كان بمثابة منصة لمراجعة شاملة للمواقف الإقليمية، وفرصة لتعزيز التنسيق فى ملفات تمس أمن واستقرار الشعوب العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التى ما زالت تمثل أولوية استراتيجية لكل من القاهرة والرياض. ما يميز العلاقات المصرية-السعودية هو اتساعها وتنوعها على عدة أبعاد، فهى ليست علاقات ثنائية تقوم على المصالح الاقتصادية أو التفاهمات السياسية فحسب، بل هى منظومة شاملة ترتكز على عدة محاور رئيسية: أولًا: الشراكة السياسية والدبلوماسية، حيث تشكل مصر والسعودية ثنائيًا محوريًا فى صياغة السياسات الإقليمية، سواء داخل جامعة الدول العربية أو فى المحافل الدولية. فالدولتان تتشاركان رؤية متقاربة تجاه عدد من القضايا المركزية، مثل ضرورة الحفاظ على وحدة الدول العربية، ورفض التدخلات الخارجية، ودعم الحلول السياسية للصراعات فى ليبيا وسوريا واليمن، بالإضافة إلى التنسيق الوثيق فى جهود التهدئة فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، والعمل المشترك من أجل وقف التصعيد فى المنطقة وتثبيت الاستقرار. ثانيًا: التعاون الاقتصادى والاستثماري، فقد شهدت السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا فى العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث تُعد المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر المستثمرين فى مصر، فى قطاعات متنوعة تشمل السياحة، الطاقة، العقارات، والزراعة، كما يُنتظر أن تتوسع هذه الشراكة فى ظل المشاريع التنموية الكبرى التى تشهدها السعودية فى إطار رؤية 2030، إلى جانب الفرص التى تتيحها السوق المصرية كوجهة استثمارية واعدة. كما أن الربط بين المشاريع الاستراتيجية فى كلا البلدين، مثل قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها، ومشروعات «نيوم» و«الرياض الخضراء»، يفتح آفاقًا أرحب للتكامل الاقتصادي. ثالثًا: البُعد العسكرى والأمني، يمتلك التعاون العسكرى بين مصر والسعودية أهمية خاصة، ليس فقط من خلال المناورات والتدريبات المشتركة، بل أيضًا من خلال التفاهمات الاستراتيجية حول الأمن الإقليمي، ويُعد التنسيق فى ملف البحر الأحمر، وأمن الملاحة البحرية، ومكافحة الإرهاب، دليلًا على تطابق الرؤى بين البلدين حول أهمية تحصين الأمن القومى العربي، والتصدى لأى تهديدات تمس استقرار المنطقة. رابعًا: التواصل الثقافى والديني، يربط البلدين إرث ثقافى ودينى مشترك، يتجلى فى التبادل الثقافي، والتقارب المجتمعي، والتعاون فى المجالات التعليمية والدينية، كما تحتضن المملكة ملايين المصريين الذين يسهمون فى نهضتها، بينما تستضيف المملكة سنويًا أعدادًا كبيرة من الحجاج والمعتمرين المصريين وتستضيف مصر اعدادا كبيرة من السائحين السعوديين. كما أن المؤسسات الدينية الكبري، مثل الأزهر الشريف وهيئة كبار العلماء السعودية، تجمعهما مواقف متقاربة حول القضايا الدينية والفكرية، خصوصًا فى مواجهة التطرف. خامسًا: الشفافية فى إدارة الخلافات، فمن أبرز ملامح نضج العلاقات بين مصر والسعودية هو قدرة الطرفين على إدارة أى تباين فى وجهات النظر بحكمة واتزان، دون السماح للخلافات الظرفية بالتأثير على جوهر العلاقة الاستراتيجية. فعلى مدى العقود الماضية، أثبتت القيادتان وعيهما العميق بأن ما يجمع بين البلدين أكبر بكثير من أى قضية خلافية عابرة، وهو ما أسهم فى الحفاظ على استقرار العلاقات رغم التحديات والضغوط الإقليمية والدولية. ومع ذلك، لم تسلم العلاقات المصرية السعودية من محاولات التشويه والتشكيك، سواء عبر حملات إعلامية منظمة أو عبر منصات تحاول بث الفُرقة بين البلدين. إلا أن تلك المحاولات لم تنجح، لأن العلاقة تستند إلى إرادة سياسية صلبة، وتفاهم شعبى عميق، وتجربة تاريخية من التضامن والدعم المتبادل فى الأزمات. أكدت زيارة وزير الخارجية المصرى للرياض، بما تضمنته من لقاءات وتفاهمات، أن العلاقات المصرية السعودية تقف على أرضية صلبة، وتُمثل عنصر توازن رئيسيًا فى النظام الإقليمى العربي. ومع استمرار التنسيق المشترك فى مختلف الملفات، يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من التكامل السياسى والاقتصادى، بما يخدم مصالح الشعبين، ويُعزز من استقرار المنطقة فى مواجهة التحديات المتصاعدة.
وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ



