أحمدو ولد حرمة ولد ببانا… رجل سبق زمانه ويستحق من وطنه العرفان والتأبين.بحث بقلم آمنة /أجيون

في زمن كانت فيه الكلمة الحرة تُكلف الحياة، وكانت السياسة حكرًا على طبقة تقليدية مرتبطة بالمستعمر، خرج رجل من المذرذرة يُدعى أحمدو ولد حرمة ولد ببانا، يحمل في فكره الوطن، وفي قلبه شعبه، وفي صوته صدق لا يُهادن ولا يُساوم. كان ذلك الرجل نموذجًا نادرًا في التاريخ السياسي الموريتاني، رجلًا سبق زمانه، ووقف في وجه تيارات الجبن والتبعية، ودفع الثمن باهظًا من عمره، وكرامته، ووجوده في وطنه الذي لم يكفّ يومًا عن الدفاع عنه.
الرؤية المبكرة والنضال الشريف
لم يكن أحمدو ولد حرمة مجرد نائب في البرلمان الفرنسي عام 1946، بل كان أول صوت موريتاني حر ينطق باسم الفقراء، والمهمشين، والعمال، والنساء، وسكان الهامش. صرخ تحت قبّة الجمعية الوطنية في باريس ضد السخرة، وضد الظلم، وضد التمييز العرقي، ورفض بشجاعة الاعتراف بإسرائيل، دفاعًا عن فلسطين، في وقت كان الصمت هو القاعدة، والمجاملة هي السياسة.
لقد رفض أن يكون بوقًا للإدارة الاستعمارية، أو تابعًا للزعامات القبلية التقليدية، وسار في طريقه وحده، متمسكًا بمبادئه، متحديًا القوى التي خشيت صوته الحر وتأثيره الشعبي.
حين حاول الاستعمار أن يفصل النعمة عن الوطن، نهض أحمدو ولد حرمة بشراسة للدفاع عن وحدة التراب الموريتاني. كانت النعمة حينها قاب قوسين أو أدنى من الضم إلى السودان الفرنسي، لكن موقفه التاريخي في الجمعية الفرنسية أعادها إلى حضن موريتانيا. لم يُقدّر هذا الفعل العظيم في حينه، ولم يُذكر في الكتب المدرسية كما يليق. واليوم، ونحن نتنعم بالوطن الموحد، لا بد من ردّ الجميل لذلك الرجل الذي خاض معركة الحدود بصوته وقلمه، لا بسلاحه.
بعد سنوات من النضال السياسي، والتصدي لمشاريع الهيمنة، تمّت محاصرته إعلاميًا وسياسيًا، واتُّهم بالخيانة، فقط لأنه كان يرى في وحدة المغرب العربي مشروعًا استراتيجيًا يحمي موريتانيا من العزلة والتبعية. صدر بحقه حكم بالإعدام، فاضطر إلى المنفى، لكنه لم يتخلَّ عن قضيته. كان يتنقل من المغرب إلى مصر، ظل صوته حاضرًا، يؤسس الأحزاب، ويبث عبر الإذاعات، ويكتب، ويُعدّ للمستقبل.
وبعد سنوات النفي، عاد إلى موريتانيا عام 1974، بصمت الكبار، دون ضجيج، دون حقد، دون أن يطالب حتى باعتذار.
لقد آن لهذا الوطن أن يلتفت لفتتة كريمة إلى واحد من أنبل رجاله، رجل لم يرفع سلاحًا في وجه أبناء وطنه، بل رفع راية الحرية في وجه المستعمر، ودفع من عمره ثمن ذلك.
ونأمل من القيادة الوطنية محمد ول الشيخ الغزواني الذي يقدر الرموز الوطنية ويضع لهم مكانة ان ينصف الزعيم احمدو ول حرمة والتأبين لا يكون بالنياشين، بل بالاعتراف.
والعرفان لا يكون بالثناء، بل بتخليد الأسماء.
فلنُسمِّ مدرسة، أو شارعًا، أو قاعة برلمانية باسمه.
فلنُدرجه في مناهجنا، ليعرف أبناؤنا من كان أحمدو ولد حرمة ولد ببانا.
رجلٌ سبق زمانه…



